قمة الغيابات المتعددة

فى 20 -1 -2019  انعقدت فى بيروت القمة التنموية العربية الاقتصادية والاجتماعية، وبصرف النطر عن تغيير اسم  القمة، فهذه الدورة هى الرابعة فقط،  رغم أن الدورة الأولى قد انعقدت فى منتصف الستينيات  وهذا يعطى دلالة واضحة على عدم الاهتمام العربي بالتنسيق فى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية رغم أهمية الاعتبارات الاقتصادية عالميا.

جاء اختيار لبنان مكانا لانعقاد القمة بعد قمة شرم الشيخ الماضية عندما كانت الأوضاع فى لبنان أفضل حالا مما عليه الآن،  وبالطبع كان من المتوقع أن تحقق القمة الاقتصادية الحالية  بعض النجاحات، ولكن جاءت النهاية بأقل مما هو منتظر و متوقع.

إن الأوضاع العربية بصفة عامة تعيش مرحلة سلبية من جوانب عدة،  وتعد بعض المناطق العربية من أكثر أماكن الأزمات فى العالم، وتصل فيها الحالة إلى درجة المجاعة، ولاسيما فى اليمن وسوريا  والصومال مع وجود انتفاضات ذات طابع اقتصادي  فى أكثر من دولة،  أما  حالة الفقر، فقد صارت أقرب وأوضح  فى واقعنا العربى  مما مضى،  وعلامات الوهن الاقتصادى طالت شعوب عربية كثيرة،  ومن الطبيعى  أن ينعكس كل ذلك على الوضع السياسي العربى، وأن يكون مصير أي قمة عربية الفشل، وذلك ما حدث لقمم سابقة، وربما قمم لاحقة، وهذا ما سينطبق على القمة الرئاسية السياسية العربية  فى أبريل القادم،

غير أن انعقاد القمة الاقتصادية  فى لبنان، كان اختيارا خاطئا،  وربما سارت الأمور فى نفس السياق لو تم اختيار أي دولة عربية أخرى، لكن دولة لبنان على وجه التحديد، قد شهدت متغيرات سلبية عديدة، واشتهرت بأنها واجهة للمشكلات والأزمات العربية، وليس باستطاعتها  استضافة أي مؤتمر عربى، وربما أي تجمع دولي مهما كان نوعه.

إن المسألة لها علاقة أولا بأوضاع لبنان الداخلية، فى هذا البلد لم تتمكن القوى السياسية من اختيار الحكومة الشرعية التوافقية رغم مضى أكثر من 222 يوم من تاريخ تحديد الموعد،  ولقد كانت هناك صعوبة فى مطلع الأمر فى اختيار رئيس الجمهورية نفسه، ثم انتهى الاختيار لاحقا   بعد تنازلات وتشابك مصالح بين الرئيس  “ميشال عون” و “حزب الله”، وبمباركة “نبيه بري” رئيس مجلس النواب، الممثل عن حركة أمل الشيعية..

 بعد ذلك جاء التوافق الاضطراري على رئيس الوزراء السني وفيق الحريري، لكن رغم كل  ذلك فقد انتصبت  عراقيل أمام الانتهاء من تشكيل حكومة لبنانية بسبب تدخلات حزب الله المدعوم من إيران، ومحاولة هذا الحزب السيطرة على القرار اللبناني بصفة عامة، ولهذا صار لبنان محاصرا من الناحية المالية عالميا، بسبب العقوبات الاقتصادية، وهذا من عوامل ضعف الدولة اللبنانية، والذى تعددت أزماته مع عدة دول عربية بلا مبرر، إلا تفاقم صراعات الأطراف داخله،  وآخر الأزمات  افتعاله أزمة سياسية  بلا مبرر مع ليبيا، ومن أطراف لبنانية لها قوة الضغط السياسي، حتى صار لبنان مزدحم بمجموعة دول،  بعضها تدعم التقارب السوري العربي، وأخرى تقف مع السعودية،  وثالثة مع إيران أو  فرنسا أو غيرها.

إن الكل يتحدث على انهيار وشيك للاقتصاد اللبناني، وربما عودة لبنان إلى الحرب الطائفية ولكن بشكل مختلف  مع تصاعد الأزمات البنكية، وانهيار الليرة، وازدياد الأسعار، وكثرة الديون الخارجية، وتراجع السياحة، وانكماش دور لبنان الثقافي،   وإذا دخلت إسرائيل  على الخط، فإن الموقف سيكون أصعب وأشد خطورة  رغم الحماية الامنية الاوررية  للبنتان الظاهرة على السطح.

من الواضح أن هذه القمة الاقتصادية كانت وستكون فى وضع أفضل لو انعقدت  فى دولة عربية أخرى مناسبة غير لبنان،  رغم أن النتائج  النهائية ستكون مخيبة للآمال فى كل  الأحوال،  وكما هى العادة فى مؤتمرات القمة، وبالطبع يصعب تسمية قمة بيروت بأنها رئاسية، لأنه لم يشارك فيها إلا ثلاثة حكام فقط، مع الإشارة بأن أمير قطر، قد جاء لزيارة لبنان، وليس للمشاركة فى القمة.

لو نظرنا للبيان الختامي  للقمة، لوجدناه لا يختلف عما سبق مما أصدر من بيانات، ومن الواضح أن دوائر الإعلام اللبنانية لم تمنح القمة اهتماما متميزا، والسبب يعود إلى  السلبية فى  التوقعات  مع  الإشارة بأن مجمل اللبنانيين كانوا يتصورون بأن المؤتمر مخصص لدعم الاقتصاد اللبناني فقط، وغير معني بالقضايا العربية بصفة عامة،  وكل ذلك يحدث وسط مشكلات اقتصادية لبنانية كبيرة،  لها  علاقة بالتضخم ونقص الكهرباء، واستفحال ظاهرة انتشار النفايات.

حسب البيان الختامي؛ فإن الجانب العملي شبه مفقود، والبيان  ركز على تأسيس صندوق عربي للاستثمار فى الاقتصاد الرقمي، وبدعم قطري يصل إلى 50 مليون دولار، وهو نفس الرقم الذى منحته الكويت، ولم يتم  الاتفاق على دولة  مقر الصندوق.

لبنان  يركز على عودة اللاجئين  السوريين إلى ديارهم بعد استضافة  طالت، واستهلكت جزءا من ميزانية الدولة اللبنانية، وهذا الأمر تشكو منه الأردن أيضا،  ولم تخصص القمة أي أموال لهذا الغرض، كما أن هناك عجزا ماليًا فى منظمة الأونروا، والتى تتولى  الإشراف على  احتياجات اللاجئين داخل الأرض المحتلة، ولقد أشار البيان الختامي إلى  ذلك دون تحديد المهام والمسؤوليات.

من أخطاء الدولة اللبنانية  فى هذا المقام؛ تقديم دعوة إلى سورية للمشاركة  رغم أن الدعوات من اختصاص جامعة الدول العربية،  وهذا يعنى  أن موضوع عودة سورية مؤجل إلى مرحلة قادمة، ليست سريعة.

هكذا جاءت قمة الغيابات،  مجرد قمة عربية باهتة، رغم أن مشكلة العالم حاليا، وفى كل الأزمنة، هى الاقتصاد!.  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *