خمس رسائل عن الغربة لا تصل لأصحابها

في خمس رسائل كتبها أصحابها دون أمل أن تصل إلى الأشخاص المرسلة إليهم، تصحبنا الروائية اللبنانية هدى بركات، في رحلة معقدة داخل نفوس وذوات كاتبي رسائل “بريد الليل” الرواية التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية لعام 2019.

الراوية القصيرة الصادرة عام 2017 عن دار الآداب اللبنانية في نحو 130 صفحة، ترصد في ثلاثة فصول حكايات خمسة أشخاص عرب غرباء عن أوطانهم، دون إشارة إلى مكان تواجدهم الحالي- يكتبون رسائل إلى أحباء أو أقرباء لهم، دون توقيع أو عنوان، يرصدون فيها معاناتهم التي دفعتهم إلى هجر بلدانهم، تختلف هذه الأسباب بين الديكتاتورية والقمع والحروب والنزاعات والفقر، كما يعترفون خلال الرسائل بهزائمهم أو خطاياهم.

ومع تسلسل الرواية، يعثر كل بطل من أبطال الرواية على رسالة لم تكتب له، فتثير لديه الرغبة في الكتابة، ثم تتضح أكثر مصائر هؤلاء الأشخاص في فصل بعنوان “المطار”، وتختتم الرواية بقصة ساعي بريد يقضي أيامه في جمع وفهرسة رسائل عثر عليها ولم يستطع إيصالها بسبب الحرب، ويضعها قرب فهرس الرسائل على أمل أن يستطيع أحد إيصالها.

في مقابلة “تقول الروائية هدى بركات إن روايتها “تعتمد تقنية الرسائل من حيث الشكل، لكنّها تبتعد عنها من حيث المحتوى غير الكلاسيكي لهذه التقنيّة.

فالرسائل غير متبادلة، ولا هي واضحة العناوين. أصحابها مجهولون، وهي تقع بمحض الصدفة – “صدفة” السرد الروائي طبعا – في يد من لم تُكتب له… وإذ يعثر عليها ويقرأها تستدعي هذه الرسالة لديه الرغبة في الكتابة بدوره… وهكذا يتشكّل “بازل” من العلاقات بين مجهولين لن نرى ما الذي يجمع بين مصائرهم في لوحة واحدة إلاّ حين ننتهي من القراءة”.

وتوضح بركات “بريد الليل تجيء في ثلاثة فصول. عنوان الفصل الأول “وراء النافذة”. وفيه ينتهي كتّاب الرسائل إلى التحديق في الليل، في لحظة وحشة كبيرة، وحيرة من المجهول، ومن السواد السميك الذي يحول دون فهم ما يجري أو التحكّم به”.

وتواصل “في الفصل الثاني، تحت عنوان “في المطار” تتقاطع مصائر أصحاب الرسائل دون أيّ رابط، سوى قدر سردي آخر وهو أن نضيء على سوء الفهم الكبير الذي يرفد هذه الوحشة، إلى جانب الضياع الذي يسم عمق الشخصيات، أي كاتبي الرسائل، ففي تواجد كاتبي الرسائل أو من كُتبت لهم الرسائل الضائعة في المطار جزء من سيرة مفقودة، فالمطار هو مكان لا أحد، وهو نهاية رحلة أو بداية رحلة جديدة، لكن إلى أين؟”.

​وتتابع الكاتبة “أما القسم الثالث الذي يجيء تحت عنوان “موت البوسطجي”، فهو اختصار لموت التواصل بين البشر في زمن التواصل الإلكتروني السريع الذي نعيشه حاليا، والذي يعمّق من عزلة الفرد، وبخاصة الفرد العربي الذي بقي خارج العصر بفعل الحروب والفقر والدكتاتوريات إلخ”.

يتلاشى المكان في بريد الليل، أحيانا تذكر مدن مثل باريس أو بيروت على لسان كاتبي الرسائل، لكن غياب المكان كان أمرا مقصودا من الكاتبة لإبراز غربة أبطالها، فتقول بركات “صحيح، لا أمكنة محدّدة في رواية بريد الليل، إذ ماذا يهم المكان لدى أناس فقدوا أمكنتهم؟ أوطانهم؟ وشُردوا في بقاع الأرض كغرباء؟ وأمكنة وصلوا إليها هاربين ودون خيار، لا تأثير لها في حيواتهم وقد يتركونها لأيّ سبب.

فالإقامة في مكان ما تعني أن هناك معنى أو مشروع ما لهذه الإقامة، لكن السائر على باب الله لا يجد فروقا فعلية بين الأمكنة، ما يتبقّى لديه هو المصير الذي حدّده لحياته مكانُه الأوّل”.

وتوضح “ذكر بعض أسماء الأمكنة في الرواية هو للتشديد على بعد هذه المدن، كباريس أو بيروت، عن واقع حياة الشخصيّة، إلا في ما تركته هذه المدن في أعماق من غادرها، أو من يقيم فيها شرّيدا.. حتّى المطار لا نعرف مطار أي مدينة هو، حين ينكسر المكان الأوّل لا يعود لكلّ أمكنة العالم من معنى، سوى اتساع بئر الغربة. وإذن غياب أسماء الأمكنة مقصود تماما”.

وحول ترشح الرواية للقائمة القصيرة لجائزة البوكر، قالت بركات “في الحقيقة لم أكن أعرف كم أن الناس تهتمّ لجائزة البوكر عندنا أي في العالم العربي، فأنا مقيمة منذ مدّة طويلة في فرنسا. وأنا أخاف عموما من الترشح أي ترشيح نفسي لأية جائزة. والأسباب معروفة، لكن حين طلبت لجنة تحكيم الجائزة هذه السنة ترشيح رواية بريد الليل من دار الآداب وافقت، ولا أندم على هذه الموافقة لأن الرواية تحظى بالاهتمام، ووصولها إلى القائمة القصيرة زاد فعلا من عدد قرّائها. وهذا أمل كلّ الكتّاب طبعا، خاصة لمن يعيش في الغرب البعيد”.

وعن ترجمة الرواية إلى لغات أخرى غير العربية، قالت الكاتبة:

“بريد الليل صدرت منذ أشهر باللغة الفرنسية. ونهاية الشهر الجاري تصدر بالإيطالية، ثم تليها الإنكليزية ثم الإسبانية، وهناك عروض للعديد من اللغات تجري مناقشتها حاليا”.

وتضيف: “على أيّ حال أنا محظوظة في موضوع تعدّد ترجمات رواياتي. لكن تبقى اللغة العربيّة هي حقلي الأهم والأحبّ، وثمارُه غاية الفرح”.

أما عن أفضل الأماكن التي تفضل بركات الكتابة فيها، فقالت إنه “ليس لمكان الكتابة أهميّة لدي. المهم هو العزلة عن انشغالات الحياة اليومية.

وهذا مصدر معاناة للكاتب المضطر لأن يعمل من أجل كسب القوت، وهو قدر الكاتب العربي أو الكاتب باللغة العربيّة.

وربّما الأمر يزداد صعوبة لدى الكاتبة إذ عليها الاهتمام أيضا بأمور العائلة والأولاد. تشتيت الجهد غالبا ما يكون مرهقا، وهو قد يؤثّر على تجربة الكتابة نفسها، فلا يسمح بتعميقها بالقدر المشتهى”.

​وتواصل: “أنا أعتقد أنّي، مضطرة، وجدت لنفسي تقنيّة خاصّة. فأنا كثيرا ما أكتب في رأسي قبل أن أبدأ على الورق. أي أن مرحلة التحضير والتجريب والبحث عن طرف خيط الشخصية تبدأ تحتل داخلي حتى حين أكون منصرفة إلى أمور الحياة العادية… لذا أصف نفسي بالسهو والسهيان وبعض التيه”.

وترى أن الحل الأفضل لهذا الأمر هو تعميم فكرة بيوت الاستضافة الأدبية، حيث تقول إن “بيوت الاستضافة الأدبية تمنح الكاتب فرصة الإقامة للانصراف إلى الكتابة فقط وبكل حرية، شخصيا كان لي تجارب في برلين ونانت وبودابست، وكانت مفيدة جدا، أتمنّى أن تعمد الهيئات الثقافيّة في العالم العربي إلى تنشيط أو استحداث الإقامات الأدبية، وبيوت استضافة الكتّاب. أمنية غالية يا ليتها تتحقّق”.

الجدير بالذكر أن الروائية اللبنانية هدى بركات حصلت على جائزة نجيب محفوظ للأدب عن روايتها “حارث المياه” في عام 2001، كما منحتها الحكومة الفرنسية رتبة الفارسة في الأدب والفنون عام 2002، ووسام الاستحقاق في عام 2008، وغيرها من الجوائز، كما صدر لها عدد من الروايات مثل “سيدي وحبيبي”، و”أهل الهوى”، و”ملكوت هذه الأرض”، و”حجر الضحك”.