سكوت العلماء عن الخُروقات الواضحات مصيبة

الشَّيخ/ صلاح سالم عمر المصراتي

#  العِلم نِعمة من الله تعالى

إنَّ الله عزَّ وجلَّ عندما خلق الإنسان وأوجده في هذه الأرض خلقه قطعة لحم لا يعي من الدُّنيا شيئا، فركَّب فيه السَّمع والبصر والإدراك وجميع الحواس الَّتي أهَّلته للمراحل القادمة، ثمَّ جعل يفتح عليه مغاليق العُلوم درجة فدرجة حتَّى وصل الإنسان إلى مكانة سامية عنده فيها من العلوم والمعرفة الشَّيء الكثير، وصدق ربُّنا سبحانه عندما صوَّر لنا هذا المشهد فقال في سورة [النَّحل] (وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُم لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُم تَشْكُرُونَ)، وهذه العلوم بابها واسع ومجالاتها لا يُحصيها في هذه الأرض إلاَّ الَّذي أوجدها سبحانه.

#  العِلم الشَّرعيُّ مكانته سامية

العِلم المرتبط بشريعة الله تعالى شأنه عظيم ورايته من بين سائر العلوم تلوح في الأفق، ذلك لأنَّه العِلم الَّذي يربط الإنسان بربِّه مباشرة، وقد انقسم النَّاس تجاه هذه العلوم إلى شِيع وأحزاب، فمنهم مَن أخذ العلوم الشَّرعيَّة وعمل بمقتضاها فكان الصَّواب حلِيفه، ومنهم مَن أعرض عنها أو غضَّ الطَّرف لِمَا خالفها فكان الخطأ رَدِيفه، وفي هذين الفريقين قال الله تعالى في سورة [البقرة] (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُؤْلئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُؤْلئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ) فالَّذين يُحلِّون حلاله ويُحرِّمون حرامه ولا يتلاعبون به فهؤلاء آمنوا بالكتاب حقًّا وكانوا من الفائزين، وأمَّا الَّذين تلاعبوا بهذه الآيات وسكتوا عمَّا يُخالفها فأؤلئك من الخاسرين. 

#  سكوت العلماء مصيبة

نمرُّ اليوم بأزمات أصابت الأُمَّة في مَقتل في كلِّ المجالات في السِّياسة وفي الاقتصاد وفي الصِّناعة وفي الزِّراعة وفي الصِّحَّة وفي الحياة اليوميَّة وفي العادات وفي العبادات، ورجال الدِّين جلسوا على الأرائك يتفرَّجون على المشهد وكأنَّهم يُشاهدون مسلسلا في تلفاز، لا حميَّة تأخذهم ولا حراك لهم لمحاربة الفساد ولا ندوات ولا اجتماعات تناقش البلاء وكيفيَّة إنقاذ النَّاس منه ولو بالكلمة الطَّيِّبة، فسكتوا عن بيان الحقِّ للنَّاس محافظة على الوظيفة ومحافظة على الألف أو الألفين دينار في الشَّهر، فضاعت الأُمَّة تحت الرُّكام وأهل العِلم مازالوا مُخَدَّرين يتفرَّجون على بقيَّة المُسلسل، مع أنَّ الله تعالى قال في كتابه (وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِم وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ)، فقوموا وانهضوا من السُّبات واخرجوا على النَّاس عن طريق الجمعيَّات وعبر المطويات والكُتيِّبات وفي شاشات التِّلفاز وفي قنوات المذياع وعبر شبكة العنكبوت الَّتي التفَّت على أعناقنا فساقتنا للخراب أكثر ممَّا نسوقها نحن إلى الصَّواب، فانتشروا في الأرض ووعُّوا النَّاس وانشروا الكلمة الطَّيِّبة في العباد طالما أنَّ الله فتح عليكم بالحِكمة والموعظة الحسنة وطالما أنَّكم على تواصل مع أصحاب الكلمة في هذا المجال، فالبلاد كلَّ يوم تقريبا يُفتح فيها مقهى للنِّساء تجلس فيه المسكينة وتحتسي القهوة في وسط الشَّارع العام، بل ولقد أصبح لهنَّ يوما عالميًّا ينادَى فيه بالحرِّيَّات المُطلقة للنِّساء فتُساق المسكينة إلى المذبح كحال الضِّفدع يجرفه التَّيَّار وهو يُزغرد ظنًّا منه أنَّه يسير على الخطِّ التَّمام، النَّاس اليوم إلاَّ من رحم الله يهربون من وظائفهم ولا يُؤدُّون ما عليهم من ساعات الدَّوام ممَّا زاد الطِّين بلَّة بين العِباد، النَّاس اليوم صاروا يأكلون الزَّقُّوم ــ إلاَّ من رحم الله ، فملأوا منه البطون، سوق الذَّهب وتجار العُملة يحتاجون إلى فتح في العِلم الشَّرعيِّ المُتحكِّم في أمور التِّجارة والبيع حتَّى يبتعدوا عن الرِّبا وعن بيع الذَّهب بالذَّهب مفاضلة أو نَسيئة، مع غرقهم في بيع البطاقات المصرفيَّة وبيع العملات بدون تقابض وأشياء من هذا القبيل، وفوق هذا كلِّه مازال بعضنا يتطلع أن تُغلق المعاهد الدِّينيَّة الَّتي ربَّما تُنير عقول النَّاس في يوم من الأيَّام، أضف إلى ذلك أنَّ التَّعليم العام حدِّث ولا حرج، ومزال الأطباء يشكون تدهوراً كبيراً بين المستوصفات ونقص الكوادر والأجهزة وشُحِّ الدَّواء، وما زالت لغة السِّلاح تنتشر فينا انتشار النَّار في الهشيم فمات الكثير من أبناء البلاد، وأشياء تُدمي القلب، في الوقت الَّذي نرى فيه العلماء والمشايخ وأصحاب الحِكمة وأصحاب الوجاهة والمؤسَّسات الدِّينيَّة ينأون بأنفسهم عن المشهد تائهين في البحث عن نهاية المسلسل الَّذي جلسوا يتفرَّجون عليه، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله.

#  الجَرْي بالنَّاس أمر عامٌّ 

كنَّا نظنُّ أنَّ تسييس العِباد والجري بهم هو فقط في مجال السِّياسة ، فاتَّضح أنَّ مفهومنا قاصر، لأنَّ تسييس العِباد أوسع بكثير ممَّا كنَّا نعدُّ ونحسب، فها هم اليوم يركضون ببناتنا ونسائنا ليُقحموهنَّ في مسارات لا تصلح إلاَّ لغير المسلمات، فصاروا يجرون بهنَّ عن طريق منظمَّات مسكوت عن أعمالها في سراديب وسِكك سارت فيها نساء لا تحكمهنَّ ديانة ولا يتحكَّم فيهنَّ أزواج ولا أباء، فأرادوا ببناتنا أن يسلكن ذات الطَّريق المُؤدِّي إلى الانحراف عن المسار الَّذي رسمه لهنَّ الرَّحمن، وليت أنَّ الجَري بالنَّاس وقف عند هذا الحال، بل إنَّه طال حتَّى المؤسَّسات الخيريَّة والدِّينيَّة لإبقائهم مخدَّرين في صمت لأجل استكمال أحداث بقيَّة ذاك المسلسل الطَّويل دون حراك.

#  أبو سعيد الخُدْري نأخذه كمثال

أبو سعيد رضي الله عنه هذا صاحب شعار يقول {بَلِّغوا ولا تَخشوا في الله أحدًا}، لأنَّنا مأمورون شَرعا بأنْ نُبلِّغ شريعة ربِّنا سبحانه ــ طالما أنَّنا عَلِمنا، كما قال المصطفى عليه الصَّلاة والسَّلام: (بَلِّغوا عَنِّي ولَوْ آيَةً) ــ أخرجهُ البخاريُّ في الصَّحيح، فالمسلم الحقيقيُّ مُطالَب بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر بإحدَى الصُّور المطروحة، وبالأساليب الَّتي لا تُحدِثُ شَرْخا بين الدَّاعية ومَن يَدعُو.

هذه المسؤوليَّة جعلت من الصَّحابة الكرام لا يَتركون مكانًا إلاَّ ودَعوا فيه لله ربِّ العالمين ــ دون أن يَخشوا في الله تعالى أَحدًا، كما رَوى الإمام أحمد في المُسند ــ وهذا لَفظُه، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمان بالإسناد إلى أبي سعيدٍ الخُدريِّ: أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (لاَ يَحقِرَنَّ أحدُكم نَفْسَهُ إذا رأَى أَمرَ اللهِ عليهِ فيهِ مَقالاً فَلا يقولُ بِه، فَيَلْقَى اللهَ وقدْ أضاعَ ذلك، فيقولُ ما مَنعكَ؟ فيَقولُ خَشيتُ النَّاسَ، فيقولُ: أنا كنتُ أَحقَّ أنْ تَخشَى).  

قال الإمام البَيْهَقِيُّ رحمهُ الله: (وهذا فيمن يَترُكُه خَشيةَ مَلاَمَةِ النَّاس ــ وهو قادرٌ على القيام به)، وروى غيرُ واحد منهم البَيْهَقِيُّ في السُّنن الكُبرَى من طريق أبي نَضْرَةَ، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم: (لا يَمنَعَنَّ أحدَكُم مَهَابَةٌ أنْ يَتكلَّمَ بِحَقٍّ ــ إذا رَآهُ وَعَلِمَه) ثمَّ قال أبو سعيدٍ: (حَمَلَنِي هذا الحديثُ أنْ رَكِبْتُ إلى معاويةَ ووَعَظْتُه، ثمَّ أَقْبَلْتُ)، فهذا أبو سعيد رضي الله عنه يَرحلُ إلى بلاد الشَّام حتَّى يَنصح لمعاوية رضي اللهُ عنه، ولمْ تَمنَعه مكانة مُعاوية ولا مَكانه من أن يُبلِّغه الحقَّ، هذا الكَدُّ والجِدُّ من أبي سعيد رضي اللهُ عنه في الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكرِ جَعلَه يقول كما في رِواية الإمامِ أحمد: {وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْ هذا الحديث من الأساس}، هذا الحديث رَوى ابنُ حِبَّانَ نَحوه، وبَوَّب عليه فقال: {ذِكْرُ ما يَجبُ على المَرء من القَولِ بالحقِّ ــ وإنْ كَرِهَهُ النَّاسُ}، فأين أنتم يا رجالات الدِّين من هذا المثال؟، أين أنتم يا أهل الدَّعوة من صنيع أبي سعيد؟، أين أنتم يا أصحاب الحِكمة والكلمة الطَّيِّبة من هذا المثال؟.

#  خاتمة المقال

المسلم الحقيقيُّ يجب أن تكون عنده غِيرة على دينه وغِيرة على بلده وغِيرة على أبناء بلده، أيسرُّكم يا عباد الله إذا مات أحد وهو على الضَّلال يسير دون أن تنقذوه من الحرام؟، أيسرُّكم إذا قامت القيامة وأمسك بك أحدهم في ذلك اليوم العصيب وقال يا ربِّ إنَّ عبدك هذا كان يعلم من الدِّيانة ما لا نعلمه نحن، فجلس بعيدا عنَّا يتفرَّج على ذاك المسلسل وتركنا في الحرام نخوض؟، أيسرُّكم أن يُحاسبكم الله أنَّكم علمتم فماذا عملتم؟، فقوموا وانهضوا وانشروا الخير في النَّاس ، فنحن في بلد محافظ وفي أُناس يدينون نفس الدِّيانة، والكلُّ محتاج إلى التَّذكير، ونسأل الله التَّوفيق والسَّداد للجميع بلا استثناء، وكتب أخوكم وابنكم الشَّيخ صلاح سالم عمر المصراتي، وإلى عدد قادم.