الدِّفاع عن حقوق المرأة في الإسلام

#  الإعلام يَجْري بنسائنا  

في الأيَّام الماضية كلَّما فتحنا تلفازا شاهدنا برامجا سمَّوها بالدِّفاع عن حقوق المرأة، ورأينا العديد من الجمعيَّات الَّتي تنادي بعدم تعنيف المرأة، وندوات واجتماعات ترعاها الأمم المتَّحدة في هذا المجال، آلت الأمور عندهم إلى أن جعلوا للمرأة يوما عالميًّا احتفلوا به حتَّى في بلادنا، حسَّسونا من خلاله أنَّ المرأة مهضومة الحقوق؛ مع أنَّ المرأة شأنها أكبر بكثير ممَّا يقولون. 

#  المرأة في المجتمع القديم

عندما خلق الله أوَّل إنسان في هذا الكون كان يعلم أنَّ الحياة لن تستقيم إلاَّ بوجود المرأة معه، فخلق الله تعالى حواء من صُلب أبينا آدم عليهما السَّلام حتَّى تكتمل الدَّائرة، وتبدأ حركة الوجود في السَّير والانتشار، ومع مرور الزَّمن لاحظ الإنسان البدائيُّ القديم من خلال تركيبة المرأة أنَّ دورها لا يصلح في خوض الحروب وصيد المتوحشِّات والاستيلاء على طعام وأراضي الآخرين، فاقتصر دور المرأة على الزِّراعة والرَّعي والاهتمام بالأولاد وجلب المياه ونحو ذلك.

#  المرأة في المجتمع الجاهلي                     

واستمرَّت الحياة على هذا المنوال حتَّى جاء زمن المجتمع الجاهليِّ، فازداد النَّاس كُرها للمرأة، فصارت مهضومة الحقوق ومُضَّطهدة، وكان البعض منهم إذا ولدت له امرأته مولودا ذكرا أحبَّه، وإذا كانت أُنثى قام بقتلها بدون ذنب منها كما قال تعالى (وَإِذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ)، فكانوا لا يُحبُّون الأنثى إلى درجة أنَّ أعرابيًّا عندما ولدت زوجتُه نادوا عليه يا فلان إنَّ امرأتك أنجبت، فقال وما ولدتْ؟، قالوا بنتًا، فقال ما هي بنِعمَ الوَلد، نصرُها صُراخ وبِرُّها سرقة، بل إنَّ البعض منهم كانت زوجته لا تلد له إلاَّ البنات، فهجرها وسكن في بيت بجانبها، فأنشدت تقول:

ما لِأَبي حمزةَ لا يأْتِينا *** يُقيمُ في البيت الَّذي يَلِينا

غَضبانَ أَن لاَّ نَلِدَ البَنينَ *** وتالله ما هذا بأيدينا

وما رُزِقْناه فقد رَضِينا *** وهل نحن إلاَّ أرضًا نُنبِتُ ما زُرِع فينا

فعاد إليها ولاَمَ نفْسَه على ذلك الهُجران.

#  المرأة عند ظهور الإسلام

وظلَّت المرأة مضطهدة إلى أن جاءت رسالة الإسلام، فأنقذت المرأة من جحيم عيشها وأعطتها كرامتَها الَّتي كانت مفقودة، وأعاد إليها الإسلام احترامَها بعدما كان مسلوبا، فوقف محمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام في وسط مجتَمَعٍ تربَّى على الجاهليَّة قائلا: (إنِّي أُحَرِّجُ عليكم حقَّ الضَّعِيفَينِ اليتيمِ والمرأةِ) ــ أي مَنْ ضَيَّعَ حقَّ المرأة أَجْعَلُهُ في حَرَجٍ شديدٍ أمام الله.   

#  أكبر مدافع عن حقوق المرأة

النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أكبر المُدافعين عن حقوق المرأة، فقد كان يُحبِّب البنات إلى الآباء، كما صحَّ عنه أنَّه قال: (مَن عالَ جاريَتين [أيْ: بنتين] حتَّى تَبْلُغَا جاءَ يومَ القيامة أنا وهو كَهاتين) وضَمَّ أصابعَه، رواه مسلم. فالإسلام اهتمَّ بالبنات واهتمَّ بالمرأة حتَّى أنَّ الله تعالى أنزل في القرآن سورة اسمها النِّسآء، وأعطى للمرأة حقَّها في الميراث بعدما كانت محرومة، وأعطاها حقَّها في الزَّواج بعدما كانت تُزوَّج مغصوبة، وأعطاها المهر في يديها بعدما كان مسلوبا.

#  هل جزاء الإحسان إلاَّ الإحسان؟

رغم دفاع محمَّد عليه السَّلام عن المرأة وحقوقها إلاَّ أنَّ هذا كلُّه لم يُعجب الكثير من نسائنا اليوم، فبعض النِّسوة اليوم يتهمن رسالة الإسلام بالتَّخلُّف والرَّجعيَّة، ويتهمن الدُّعاة والخُطباء بأنَّهم دُعاة تخلُّف وأنَّهم يُعنِّفون المرأة، والأُمم المتَّحدة بجمعيَّاتها المنبثقة عنها تدعمهنَّ وتُطبِّل لهنَّ لكي تخرج المرأة من جلباب الحياء والدِّيانة لتدخل معترك الحياة المدنيَّة وتتصارع مع الرِّجال في الشَّارع وفي المكاتب وفي البرلمانات، وإذا جئت تُذكِّرهنَّ بأنَّ ما يصنعنه يتنافى مع تعاليم الإسلام، يتهمونَّك بأنَّك متخلِّف ورجعيٌّ، وهل هذا هو جزاء الإحسان؟  

#  انتشار المقاهي النِّسائيَّة

اليوم المقاهي النِّسائيَّة تنتشر في بلادنا وتزداد يوما بعد يوم، فتجلس المرأة وتحتسي القهوة والمكياطة، وبعض المقاهي تبقى مفتوحة إلى ساعات متأخِّرة من اللَّيل وكأنَّ الأمر عاديٌّ، فإذا سكت الزَّوج على هذا السُّلوك المُنحلِّ فهو عشرة على عشرة؛ وإذا ذهب يمنع زوجتَه أو أُختَه من مثل هذه السُّلوكيَّات الَّتي لا يرتضيها دين ولا أخلاق، صار من المُعَنِّفين للمرأة!.

سبحان الله!، يُريدون منَّا إذا رأينا نساءنا وبناتنا يخرجن من دون حجاب أن نغُضَّ الطَّرْف ونسكت، لأنَّك إذا ذهبت تُربِّي زوجتَك أو تُربِّي بنتك على ارتداء الحجاب يقولون لك أنت تُعنِّف المرأة !!. 

#  قوانين تدعم انحلال المرأة

تونس اليوم عندهم قانون أقرَّه البرلمان في يوليو تموز 2017 يُعطي للبنت الحرِّيَّة التَّامَّة عندما تصل إلى الثَّامنة عشر من عُمُرها، بحيث لا يجوز لأحد أن يكبتها عن التَّحرُّك بكامل حرِّيتها، ولا يحقُّ لأبيها أن يمنعها من ممارسة أيِّ نزع من العمل، وإذا تطاول عليها تشتكيه للحاكم وتُوقعه في المسآلة والقانون يحميها ـــ هكذا هي الحرِّيَّة الَّتي يُنادَى بها اليوم؛ أن تصنع المرأة ما شاءت دون معارضة، لأنَّ هذا من العُنف ومن هضم حقوق المرأة.

#  خروج المرأة في الرَّعيل الأوَّل

كثير من النِّساء اليوم تستدلُّ الواحدة منهنَّ على خروجها للشَّارع بثياب أشبه بخيوط العنكبوت والاختلاط بالرِّجال والجلوس في المقاهي والسَّفر بدون محرم وعلى ممارسة الأعمال وطلب الرِّئاسة والظُّهور في التِّلفاز بوجه أشبه بعلبة الألوان من كثرة المساحيق بأنَّ المرأة في زمن الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام كانت تخرج وكانت تداوي الجرحى في الحرب وأشياء من هذا القبيل، وهذا استدلال خاطئ وبعيد كلُّ البُعد بين ما حدث في زمن الصَّحابة وما تريده المرأة اليوم، ولا أظنُّ أحدًا يختلف معي على وجود بون شاسع بين الجِيلين، فالمرأة في زمن الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام خرجت بكامل حجابها، وخرجت لتُداوي الجرحى وهي جالسة في المسجد كما روى البُخاريُّ وغيره بينها وبين الجيش مسيرة يوم أو يومين حتَّى إذا ما تقهقر الجيش لا يتمكَّن العدوُّ من الوصول إلى المرأة أبدا، واليوم المرأة تريد أن تجلس بغير حجاب كرسي بكرسي هي والرَّجل في البرلمان وفي النَّدوات والجمعيَّات!، وشتَّان بين الحالتين.

المرأة في زمن الرَّسول عليه السَّلام داوت الجرحى عندما كانوا قِلَّة، وأمَّا بعدما كثر عدد المسلمين لم تَعُدْ تخرج المرأة معهم، ونحن اليوم أكثر منهم قبل، فما عاد هناك داع لخروج المرأة وبهدلتها.

ثمَّ إنَّ المرأة في زمن الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام خرجتْ في جيش فيه أبو بكر وعمر وعثمان وعليٍّ وناس مبشَّرين بالجنَّة، واليوم المرأة تريد تخرج مع مَنْ؟ وتريد تقاتل مع مَنْ؟ فشتَّان بين الحالتين.

والمرأة الَّتي خرجتْ في زمن الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام كانت أمُّ سُلَيم وأسماء بنت أبي بكر وعائشة وهُنَّ مَن هُنَّ، وما خرجتِ النِّساء إلاَّ عندما امتلأن بالإيمان وعرفت المرأة ما لها وما عليها، واليوم مَن أنتِ حتَّى تُطالبي بالسَّفر لوحدك وتطالبين بمزاحمة الرِّجال في أشياء لا تليق إلاَّ بهم؟. 

هذه الأشياء ونحوها تُؤكِّد لنا أنَّ الاستدلال بالنِّساء من الرَّعيل الأوَّل على صُنع المرأة اليوم للخروقات استدلال باطل وليس في محلِّه لوجود بَون شاسع بين الجِيلين، ممَّا يُلزمنا نحن بأن ندافع عن حقوق المرأة وِفق تعاليم الرِّسالة السَّماويَّة الَّتي اختارها الله تعالى لنا، وأن نصونهنَّ من الجَرْي بهنَّ في أماكن ليست لائقة بهنَّ.   

#  كلُّكم راعٍ ومسؤول

كثير من النَّاس يكون صاحب مسؤوليَّة إلاَّ أنَّه لم يُدرك حجم المسؤوليَّة الَّتي أُلقيت على عاتقه بعد، فالإنسان بمجرَّد خروجه إلى هذا الوجود فهو مسؤول عن نفسه ومسؤول عن الأكل الَّذي يأكله وعن اللِّباس الَّذي يرتديه وعن المال الَّذي يستجلبه وعن الدِّيانة الَّتي ينتمي إليها، وإذا تزوَّج الإنسان تضاعف حجم المسؤوليَّة في رقبته لأنَّه سوف يُسأل عن نفسه وسوف يُسأل عن زوجته الَّتي هي أمانة في رقبته، وإذا جاء الأولاد ازداد حجم المسؤوليَّة، وفي الصَّحيحين وغيرهما يقول الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم: (كُلُّكم راعٍ، وكُلُّكم مسؤولٌ عَن رَعيَّته: الإمامُ راعٍ ومسؤولٌ عن رَعيَّتهِ، والرَّجلُ راعٍ في أهلِه ومسؤولٌ عن رَعيَّتِه، والمرأةُ راعيةٌ في بيت زوجِها ومَسؤولةٌ عن رعيَّتِها، والخادمُ راعٍ في مال سَيِّدِه ومَسؤولٌ عن رَعيَّتِه، فكُلُّكم راعٍ ومَسؤولٌ عن رَعيَّتِه)، وكلَّما اتَّسعت دائرة المسؤوليَّة كلَّما قَلَّت فُرصة النَّجاة من وراء هذه المسؤوليَّة، فالَّذي يعول واحدا ليس كالَّذي يعول عشرة ــ وهكذا.

#  كلمة ختام  

الموضوع طويل جدًّا، ونحن دورنا التَّذكير، وأنتم لكم مُطلق الخَيار في تربية زوجاتكم وأولادكم وبناتكم، إمَّا وِفق تعاليم رسالة الإسلام، وإمَّا أن تُربِّيهم وِفق تعاليم الأُمم المُتَّحدة بمنظَّماتها وجمعيَّاتها ــ وإلى عدد قادم.

وكتب الشَّيخ/ صلاح سالم عمر المصراتي