جيل قديم وجيل جديد

بقلم / رمضان سليم

يفرض الحدث السياسى  الجزائري نفسه على الأحداث الدولية، ذلك أن الجميع تقريبا فى انتظار ما تسفر عنه المتغيرات السياسية والاجتماعية بعد عقود من الجمود والارتهان إلى حكم سياسي تقليدي لا يكاد يعيش اللحظة الحاضرة.

يتصف النظام السياسي فى الجزائري بالجمود وعدم الرغبة فى التغيير، وهذا يعني ابتعاده عن الأجيال الجديدة التى لاتنصت كثيرا لكل ما يقال عن أعمال  بطولية قامت بها جبهة التحرير الجزائرية، ولا تضع فى الاعتبار أية مصطلحات مغلفة بمعاني النضال والكفاح ضد المستعمرالفرنسي رغم مشروعية ونموذجية النضال الجزائري.

لا يعنى ذلك أن الأجيال الجديدة تتنكر لماضيها المشرق، ولكنها طبيعة المتغيرات تفرض نفسها، ومن الطبيعى أن نجد الأجيال الجديدة فى الجزائر لا تكاد  تضع نصب عينيها دائما كل الماثر للجيل السابق جيل التحرير، وأن يصبح شعار بلد الميلون مجرد ذريعة يستمر على أساسها الجيل السابق فى السيطرة على مقاليد السلطة، بل والتمسك بها إلى آخر لحظة.

 هذا التصور يمكن أن ينطبق على أنظمة سياسية كثيرةعندما تتسع الهوة بين طبيعة النظام السياسي، والفئات الجديدة من الشباب الذى يفكر بطريقة مختلفة  ويسعى إلى نزع القداسة عن جيل جبهة التحرير ومن تبقى منه.

لقد مرت أحداث ما يسمى بالربيع العربى على الجزائر بسلام، فلم تنتقل إليها شرارة الأحداث لأسباب كثيرة يطول البحث فيها،  لكن رغم ذلك هناك شئ ما ظل يسري تحت السطح، وربما انتظر الجميع بعض المتغيرات العاصفة بالجزائر والتى لابد لها أن تأتى ولو متاخرا.

أحداث شهر فيراير 2019 هى خليط من متغيرات متوقعة فى شكل عاصفة تهب على الجزائر بصرف النظر عن درجة خطورتها.

ها هى معالم التغيير  المتوقعة تشرع فى الاقتراب،  ولقد اتضحت الأمور أكثر بخروج تظاهرات كبيرة رافضة للعهدة الخامسة، التى ينوي الريئس بوتفليقة الترشح إليها بعد أن حكم الجزائر لمدة عشرين سنة، والأمر لايتعلق فقط بالمدد الرئاسية التى فيها الكثير من التجاوز القانونى بما فى ذلك  التعديلات الدستورية التى أدخلت مفصلة على مقاس الرئيس بل يتعلق الأمر أيضا بعجز بوتفليقة الجسدي لسنوات طويلة مما يعنى عدم صلاحيته لمارسة عمله السياسي

كما قلنا يتصف النظام السياسي فى الجزائر بالجمود، فهو حتى هذه اللحظة مزيج من الإجراءات الاشتراكية القديمة مع إضافة تغييرات معاصرة فرضها الواقع الاقتصادى والإعلامي  العالمي، وتطبيق الشكل الديمقراطي المعتاد بتوفر أحزاب شكلية اغلبها موالى للسلطة الحاكمة ووجود عدة منابر اعلامية فى شكل صحف وقنوات تلفزية خاصة تصادفها عراقيل ومصاعب من السلطة رغم وجود  بعض مظاهر حرية التعبير وفى حدود ضيقة.

إن التظاهرات  الحاشدة  الجزائرية الأخيرة كانت إيجابية اتسمت بالسلمية والتنظيم الجيد، وفى المقابل كان رد السلطة فى نفس مستوى الإيجابية من حيث التعامل الأمني والعسكري، والواقع أن ذلك قد رسم صورة مقبولة تناولتها وسائط الإعلام الدولية بطريقة شفافة،  فيها ارتياح واضح مقارنة بما يحدث فى دول أخرى مثل مصر والسعودية وسوريا والسودان وغيرها.

فى أحداث ما يعرف الربيع العربى 2011 استجاب الريئس التونسي زين العابدين بن على للأمر الواقع وغادر تونس بطريقة فجائية، ثم سارت الخطوات السياسية بعد ذلك  بحسب مقتضيات النظام الرسمي نفسه.

فى مصر ترك حسنى مبارك السلطة ووضعها بشكل غير دستورى فى يد مجلس عسكري.

فى الجزائر مؤخرا يستجيب الريئس بوتفليقة لمطالب المتظاهرين، ويقرر عدم الترشح لعهدة خامسة، وفى ذلك تجنيب للجزائر بأن تقع فى دائرة التصدع  مما يعني خطورة تتطورات غير آمنة يمكن أن تهب على المنطقة لتمتد إلى أوروبا والعمق الإفريقي، ومن الواضح أن هناك رغبة دولية فى عدم تكرار النوذج السورى والليبى بل المصري والتونسي وقبل ذلك النوذج العراقي.

إن نزع الفتيل فى الجزائر ليس كاملا رغم الترحيب بتراجع ترشح بوتفليقه، أما السبب فيعود إلى مخاوف تشير إلى إمكانية التلاعب بالأمور، والنكوص عن الاتفاق من قبل المجموعة المتحكمة فى السلطة بالجزائر، والتى يظن أنها تحرك الرئيس المخفي، وبالتالى يطال الشك الرسائل التى يبعثها الرئيس بين الحين والآخر مهما كان محتواها فى مسرحية تصفها الأطراف المعارضة بالمهزلة التى لانراها إلا على المسرح وفى خيال المؤلفين.

نعم لقد جاءت الخطوة الأولى ناجحة  وفى حال استمرار التظاهرات، فإن المطلب الثانى يمكن أن يتحقق أيضا بانسحاب بوتفليقة نهائيا  ليصبح مقعد الرئاسة شاغرا، وبالتالى تذهب البلاد إلى فترة انتقالية بحسب بعض مواد الدستور وليحدث التشابه مع كل من تونس ومصر.

رغم الجوانب الإيجابية فى مرحلة بوتفليقة إلا أن هناك جدار من عدم الثقة بسبب تجربة العشرين عاما، وبسبب البطانة الحاكمة نفسها وهى التى تقود الأمور نحو مصالحها الضيقة، ويبدو أن المظاهرات والاحتجاجات  القادمة والمستمرة سوف تضع فى اعتبارها التخلص من بطانة الريئس، وليس مجرد  الرئيس نفسه.

ربما يسعى الجيل الجديد فى الجزائر إلى التمرد، ولكن لابد أولا من تقدير التضحيات السابقة ومن حق الجيل الموالي لجبهة التحرير أن يستمر فى التواجد والحضور السياسي ولو بتسميات مختلفة  غير أن الطبقة الحاكمة الجزائرية حاليا هى من كبار السن ممن يستخدمون النظرة الأحادية فى معالجة الأوضاع، ولهذا يبرز صراع الأجيال فى الجزائر بشكل واضح.

لقد اتخذ الرئيس بوتفليقه قرارات فردية لمعالجة الأوضاع الراهنة  بنفس الطريقة المتادة، ورغم أنه سيصبح رئيسا غير شرعي بعد 2741019، إلا إنه مارس دورا فيه تجاوز لللدستور  والأهم إن هناك شك فى أن تقترن الأقوال بالأفعال، وخصوصا فيما يتعلق بالندوة الوطنية الجزائرية، ووضع خارطة طريق لما يمكن تسميته بمستقبل الجزائر.

إذا حدث أي تراجع أو نكوص فى التطبيق، فذلك يعنى أن الجزائر ستعود إلى نقطة الصفر،  ومرحلة العودةإلى الخلف هذه هى أخطر،  ولا شك من اللحظة الراهنة المعاشة.