عاصفة فوق كاراكاس

بقلم/ رمضان سليم

لا يمكن لأوروبا أن تقف دائما فى موقف المعارض لأمريكا،  فمهما تصاعدت حدة الخلاف وارتفعت درجة  الحساسية، فإن هناك تبعية أوروبية لأمريكا تفرض نفسها  وتفرضها الظروف الدولية أحيانا.

نعم تحاول أوروبا أن تخرج من العباءة الأمريكية، ولكن فى حدود معينة ليس إلا..

لننظر الآن  إلى الأزمة الحالية فى فنزويلا وموقف أوروبا منها،

 لقد ساندت الدول الأوربية أمريكا فى رفضها لشرعية حكم الرئيس الفنزويلي  “مادورو” فى مقابل مساندتها لشخصية جديدة أعلنت نفسها رئيسا، وهو فى الحقيقة رئيس الجمعية الوطنية فى فنزويلا، ولا يقترب بوضوح  من أي شرعية فعلية إلا فى حال التلاعب بمواد الدستور، وتفصيله  على قياس المعارضة ومتطلبات السياسة الأمريكية التى تعمل دائما من أجل السيطرة على مسارات السياسة فى معظم دول  أمريكا الجنوبية.

لقد طالبت أغلب  دول الاتحاد الأوروبي – مع اعتراض إيطاليا واليونان – الرئيس الفنزويلي الشرعي “نيكولاس مادورو” بالإعلان عن انتخابات رئاسية جديدة، وهددته بسحب الاعتراف بها إن لم يفعل، وكان الرد بإعلانه انتخابات برلمانية فقط، وبالتالي اسقطت هذه الدول الاعتراف بشرعية النظام الفنزولي الحالي، ولقد تبعتها دول أخرى كثيرة، وهذا يعني  تفاقم الأزمة فى فنزويلا، مما يعني وجود عاصفة قريبة تهدد كاراكاس، خصوصا إذا تدخلت دول الجوار.

فى البدايات  كانت موجة اليسار هى المسيطرة فى أمريكا الجنوبية متداخلة مع تطبيقات اشتراكية متعددة وممارسات عسكرية دكتاتورية، وهو ما كان واقعا  فى الأرجنتين ونيكارغوا وتشيلي، وهندوراس، وبوليفا، وغيرها،  بالإضافة إلى الدولة اليسارية الشيوعية الدكتاتورية فى  كوبا، والتى تحتوي تجربتها على بعض الإيجابيات.

من كوبا إلى فنزويلا، ومن كاسترو إلى هوجو شافيز، عاش اليسار بتعدده  مراحل متباينة أغلبها سلبي،  فلقد وصل  شافيز إلى الحكم فى فنزويلا إثر انقلاب ثم انتخابات، وفى البداية  كانت أطروحاته النظرية ترتبط بالثورة البوليفارية، نسبة إلى سيمون بوليفار، محرر معظم القارة اللاتينية من الاستعمار الإسباني ومن معه من شراذم أوروبية استعمرت القارة لسنوات، وكانت بوليفيا منطلقا،  والتى تسمت باسمه، وتوالت بعد ذلك انتصارات  بوليفار 1783-1830 العسكرية  مع استقرار نسبي للأوضاع.

أثناء حكم شافيز أخرج الثورة اأصل من سياقها  التاريخي ليجعلها اشتراكية حينا وديمقراطية فى حين آخر مع نزعة تحررية تقوم على فكرة محاربة الامبريالية.

ورغم أن النزعة الاجتماعية التى تميل لصالح الفقراء  قد بولغ فى تطبيقها، إلا أن الطفرة النطية فى فنزويلا والمبيعات العالية قد  غطت الخسائر، واكسب شافيز نجاحا كبيرا رغم كل مظاهر الدكتاتورية والبروباقاندا.

بعد  ذلك انتقلت السلطة إلى “مادورو”، أحد تلاميذ شافيز، ولكنه أقل كفاءة منه، ليستمر فى نفس المنهج تقريبا مع وجود متغيرات اقتصادية عالمية، أهمها؛ انخفاض أسعار النفط، وبالتالي صارت فنزويلا دولة محدودة  الموارد، تصدر مليون برميل، بدلا من ثلاثة، ولا صادرات أخرى رغم وجود معادن كثيرة، وأراض خصبة، وعدد سكان يزيد عن ثلاثين مليونا.

لم تقف الخسائر عند العائد المالي، بل توسعت دائرة الجرائم لتشمل السرقة المعلنة، والاعتداءات السياسية، وتقييد الحريات، وانتشار بيع المخدرات على مستوى القارة تحت زعامات  لعصابات من الجيش الفنزويلي نفسه،  وصولا إلى المكسيك وأمريكا مع تضخم يصل إلى 2 مليون ضعف وبطالة  وهجرة إلى دول مجاورة، وهكذا صارت فنزويلا دولة فقيرة بعد أن كانت تمنح النفط بنصف سعره لأربع دول حدودية.

من مزايا كلٍ من شافيز ومادورو؛ دعمهما للقضية الفلسطينية على مستوى المحافل الدولية، ولكن بلا أثر واضح وملموس.

ما حدث فى فنزويلا من سحب الاعتراف بالرئيس الشرعي لصالح رئيس الجمعية الوطنية  “خوان قوايدو”، يرجع إلى عوامل داخلية، وأخرى خارجية، وفوق  ذلك التظاهرات المتصاعدة للمعارضة والطبقات الفقيرة والمتوسطة، وهى رأس مال النظام الحاكم، الذى يتبنى ولو ظاهريا المبدأ الاشتراكي. 

فى عام 2015 وصل اليمين إلى البرلمان، وصارت المعارضة راسخة ضد الحزب الاشتراكي بزعامة “مادورو”، واستفادت أمريكا من هيمنة اليمين بشكل عام فى أمريكا اللاتيتية، لتبدأ فى تكملة الإجراءات المضادة لفنزويلا بما فى ذلك دعم الانقلابات العسكرية، وفرض العقوبات، حتى صار بإمكان “قوايدو”         إعلان نفسه رئيسا مؤقتا بعد الطعن فى الانتخابات الرئاسية 2015.

إن أمريكا لا تنظر إلى الأمر من زاوية اليسار واليمين فقط،  ولكن جوهر الموضوع له صلة بالتوسع الروسي فى منطقة تعتبرها أمريكا فناءً استراتيجيًا لها،  ووصول قطع من الأسطول الروسي إلى شواطيء فنزويلا، واحتمال إنشاء روسيا لقاعدة عسكرية، وكذلك تدخل الصين لمساعدة فنزويلا اقتصاديا، وشراء كميات كبيرة من النفط، لمواجهة التضخم، ودفع الديون، ومساعدة  القوات المسلحة التى كانت ومازالت تدعم “مادورو”.

إن الموقف يبدو صعبا، ومن المحتمل أن تدخل  فنزويلا فى حروب صغيرة وكبيرة، تزيد من حجم المأساة، والتى ستتضرر منها كل الدول المجاورة لفنزويلا، والمؤيدة للنظام الرسمي أو المعارضة له.

لابد من الإشارة فى هذا الصدد؛ بأن التدخلات الخارجية فى فنزويلا لها مداخل واعتبارات تنبع من الداخل الفنزويلي، وهذا ما ينطبق على دول عديدة أخرى شبيهة بفنزويلا.

3٬593 thoughts on “عاصفة فوق كاراكاس