ذهب زوما.. جاء زوما

بقلم، رمضان سليم

أسابيع قليلة مضت على انتهاء الاجتماع الدوري لقمة الاتحاد الإفريقي رقم 30، والذي انعقد في أديس أبابا عاصمة إثيوبيا، لقد كان اجتماعا تقليديا حضره بعض الرؤساء، وانتهى مثل باقي اجتماعات الاتحاد بدون الاستجابة لعدد من القضايا المطروحة إفريقيا وعبر علاقات إفريقيا مع باقي دول العالم.

من أهم ما اتخذه مؤتمر الاتحاد الإفريقي من قرارات، اعتباره لهذه السنة 2018 عاما مخصصا لمحاربة الفساد في كل الدول الإفريقية.

لم تمض إلا أيام قليلة وارتفعت المظاهرات في إثيوبيا ضد الحكومة الرسمية وكان الاتهام الأساسي هو ضلوع الحكومة الإثيوبية في الفساد السياسي والاقتصادي، وبعد ذلك تفاقمت الأمور، حتى انتهت بتقديم رئيس الوزراء (هايلا مريام) لاستقالته، ولا سيما أن تهمة الفساد قد وجهت له بالدرجة الأولى.

قبل ذلك بأيام قليلة أيضا قدم رئيس دولة جنوب إفريقيا (جاكوب زوما) استقالته بعد أن رفض تقديمها لشهور، مما أجبر الحزب الحاكم وهو المؤتمر الوطني إلى سحب الثقة منه وإجباره على الاستقالة بموافقة البرلمان.

وكانت تهم الفساد قد طالت الرئيس (زوما)، رغم أنه من زعماء جنوب إفريقيا البارزين وكان صديق لـ(مانديلا) في حزب المؤتمر وفي السجون، ولكن يتحول أكثر هؤلاء الزعماء إلى رؤساء فاسدين على المستوى الاقتصادي، بالإضافة إلى إهمال واضح  لشئون الدولة، ومن ذلك جنوب أفريقيا الدولة الأهم في القارة الأفريقية.

قبل ذلك طالت انتقادات سياسية رؤساء آخرين في عدة دول إفريقية والقائمة تطول وستكشف الأيام القادمة عن مدى سيطرة نسب الفساد المتزايد على دواليب أكثر الدول الإفريقية وربما غير الإفريقية.

بذلك يمكن أن ندرك أهمية أن تكون أهم القرارات لمؤتمر الاتحاد الإفريقي الأخير إعلان هذا العام مناسبة لمحاربة الفساد في إفريقيا.

جنوب إفريقيا دولة رئاسية، جمعت بين الأوروبيين والأفارقة واستطاعت في فترة قصيرة أن تخلق بوتقة موحدة لكل العرقيات والطبقات والفئات المتضاربة المصالح، وكان ذلك قد تم بقيادة (نيلسون مانديلا)، وهو زعيم زاهد في كل شيء لا يقاس عليه، لأنه نموذج مختلف في عالمنا المعاصر.

يصل (زوما) إلى السلطة في ترشيح رئاسي ثالث، ولكن أصابع الاتهام ترتفع ضده شعبيا وحزبيا، وقد وصل به الأمر إلى اتخاذ قرار ضد السلطة القضائية عندما سمح للرئيس السوداني المطلوب دوليا بالعودة إلى الخرطوم، وبصرف النظر عن إيجابية وسلبية هذا القرار إلا أنه قرار يخالف أوامر المحكمة المركزية.

ترك (زوما) الحكم إلى نائبه (راما موزا) وهو متهم أيضا بقضايا فساد وكان الشريك الرئيسي في كل ما قام به (زوما) أثناء فترة حكمه السابقة.

هكذا يذهب (زوما) ليأتي (زوما) آخر لا يختلف عنه ، أو هكذا تقول القراءة المبدئية للأحداث، وبالطبع كان لابد أن تسير الأمور على أساس المنحى الدستوري بصرف النظر عن أية اعتبارات أخرى.

أثيوبيا دولة نظامها جمهوري برلماني، لذلك تمت مطالبة رئيس الوزراء بالاستقالة وليس رئيس الدولة، وسوف تشهد الفترة القادمة اختيار رئيس وزراء جديد في دولة مشكلاتها الاقتصادية والسياسية كبيرة، وخصوصا  وأنها تعتمد على حضور العرقيات المتعددة، ولاسيما تلك الأثنية المسماة “المورمون”، والتي لها وزن الأغلبية من حيث عدد السكان الإجمالي والبالغ عددهم 75 مليون نسمة، ومما تطالب به هذه الأثنية العرقية أن يتم اختيار عدد من أفرادها في الإمساك بسلطة الحكم، لأن الأقلية (التقري) هي المستفيدة الأولى مما يعني انتشار المزيد من الفساد الاقتصادي والذي يظلم عرقيات أخرى مثل “صوماليا” و”الأمهرية” .

إذا كانت جنوب إفريقيا تعد دولة حديثة نسبيا ولدت بعد الاستعمار الإنجليزي بدأ المؤتمر الوطني حكمه فيها عام 1994، فإن أثيوبيا مملكة قديمة، كان لها حضور كبير قبل الميلاد، ثم صارت إمبراطورية وأخيرا جمهورية عام 1974.

إحدى الدولتين متقدمة نسبيا والثانية متخلفة نسبيا، ولا خلاف بأن الفساد يمكن أن يطالهما سويا، مهما كانت درجة الاختلاف وعدم التوافق.

أما أهم نقطة أساسية في موضوع الفساد ، فتشير إلى الطريقة التي يمكن محاربته بها، فبلا شك تسهم الشركات الأوروبية والأسيوية في تدرج واستشراء هذا الفساد، فهي التي تتقاسم الرشاوى والامتيازات مع أهل الحكم، وهذا ما كشفت عنه بعض التقارير المتعلقة بسد النهضة في أثيوبيا حيث تم تقديم عمولات كبيرة لبعض  المسئولين لغرض الإسراع بتنفيذ خطوات هذا المشروع الأولي من قبل شركات معينة دون غيرها، وهذا يعني بكل تأكيد بأن الرئيس (زوما) الذي ذهب من سدة الحكم في جنوب أفريقيا ، سوف يعود من جديد ولكن في زي مختلف ولا مانع عندئذ من قولنا؛ “ذهب زوما جاء زوما”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.